فخر الدين الرازي

307

المطالب العالية من العلم الإلهي

تصلح إلا للكفر ، ومع حصول تلك القدرة يكون الكفر واجب الحصول . والسادس : إنك خلقت في إرادة جازمة مقتضية لحصول الكفر ، ومع حصول تلك الإرادة يكون الكفر واجب الحصول . وأيضا : فكما حصلت هذه الأسباب الستة في جانب حصول الكفر ، فهي بأسرها مفقودة في جانب الإيمان . مع أنه يمتنع حصول الإيمان إلا عند حصول مجموعها . فثبت : أنه حصل لعدم الإيمان اثني عشر سببا . كل واحد منها مستقل بعدم الإيمان . فكيف يليق بالحكيم أن يقول مع هذه الموانع القاهرة : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا « 1 » ؟ أو يقول : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ « 2 » اللّهم إلا إذا قاله على سبيل الهزل . إلا أن على هذا التقدير يصير القرآن كتاب الهزل والسخرية . وثانيها : قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى « 3 » ؟ وهو إنكار بلفظ الاستفهام . ومعلوم : أن رجلا لو جلس في موضع ، بحيث لا يمكنه الخروج ، وقال له مولاه : ما منعك عن التصرف في حوائجي ، كان ذلك الكلام عبثا . وأيضا : المجبرة يقولون : إن الختم والطبع [ والقسوة « 4 » ] والغشاوة والوقر والصّم والبكم والعمى والسد والإغواء والإضلال والإرانة والصرف والمكر والاستدراج والخداع . وكل واحد من هذه الأمور الستة عشر : سببه مستقل بالمنع من الإيمان . فمع قيام هذه الموانع بأسرها كيف [ يليق « 5 » ] بالحكيم أن يقول : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ؟ وأيضا : الأعذار الاثني عشر قائمة ، ومع حصولها ، كيف يليق بالحكيم أن يقول : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا « 6 » . وثالثها : قوله تعالى لإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ؟ « 7 » وقول موسى

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : 39 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 28 . ( 3 ) سورة الكهف ، آية : 55 . ( 4 ) من ( ط ، ل ) والدس ( م ) . ( 5 ) سقط ( م ) . ( 6 ) سورة الكهف ، آية : 55 . ( 7 ) ص 75 .